اليوم الأول: التوبة النصوحة
جاءنا شهرٌ فضيل، شهر التوبة والغفران، شهر السعادة والبر والتقوى، شهر النور والرحمة والبركات. لا تفكر بأن رمضان هو شهر صيام فقط، بل هو شهر العودة. الله يريد منك أن تعود إليه، أن تستيقظ من غفوتك، أن تفكر ماذا تفعل وماذا فعلت. الله يريدك، هو أرحم بك من نفسك، يريد أن ينجيك ويعطيك كل القوة والإرادة والعزيمة والوقت والفرص حتى ترجع. الله لم يفرض علينا هذا الشهر ليعذّبنا بالجوع والعطش، بل ليغسل قلوبن ا.
التوبة ليست للسيئين فكل بني آدم خطّاء، كما قال رسول الله ﷺ: «كلُّ بني آدم خطّاء، وخيرُ الخطّائين التوابون» رواه الترمذي. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222).
ربما لم نكن كما ينبغي لنا أن نكون طوال هذا العام الذي مضى، كنا نغتاب، وكنا نعمل السيئات والفواحش، وكنا قد نسينا ربنا وديننا كثيرًا وانشغلنا بشهوات الدنيا ومشاكلها، لكن الآن رمضان جاء ليقول لنا: ما زال الباب مفتوحًا يا عبد الله، لم يفت الأوان بعد ما دام فيك نفس يخرج ويدخل. رمضان هو فرصة النجاة، الله يتوب فيه على العباد، ويتقبل القابلين التوابين كما قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).
الكثير من الناس يظنون أن التوبة صعبة جدًا، بل على العكس، هناك شروط واضحة وسهلة جدًا للتوبة:
- لإقلاع عن الذنب: يعني أوقف الذنب فورًا. لا يصح أن تقول: يا رب تبت إليك، ثم تفعل الذنب من جديد. اعزم وأصرّ على نفسك من أجل ربك ومن أجل حماية نفسك.
- الندم: هذا هو الشرط الأهم، أن تندم على الذنب الذي فعلت. الندم يعني أن قلبك يتألم لأنك عصيت الله بهذا الشيء، وليس لأنك خفت من الناس أو من فضيحة. لهذا السبب كن نادمًا لأنك عصيت الله، واخجل منه، وفكر أنه كان يراك حين تعصيه. الإنسان فيه حياء، يستحي أمام إنسان آخر، فكيف أمام الله يا عبد الله؟ قال رسول الله ﷺ: «الندم توبة» رواه ابن ماجه وصححه الألباني. وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).
- عدم العودة: العزم الصادق على عدم العودة، يعني يكون في داخلك قرار حقيقي وكبير أنك لن ترجع أبدًا لهذا الذنب. حتى لو ضعفت لاحقًا فاصبر، فالله يعلم أنك كنت صادقًا في التوبة، وسيكون هذا الضعف امتحانًا لك، وليرى الله تعالى صبرك. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (الشورى: 25) وقال النبي ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» رواه ابن ماجه وحسنه الألباني
- رد الحقوق: إذا كان الذنب الذي فعلته متعلقًا بالناس فيجب أن يسامحوك. إذا مثلًا ظلمت أحدًا يلزم أن ترجع له حقوقه، وتطلب منه السماح، لأن الله يقبل توبة عبده فيما بينه وبينه، ولكن حقوق العباد تحتاج إصلاحًا.
عندما تتبع هذه الخطوات الأربعة، سوف تشعر بإذن الله بعلامات التوبة، وهي:
- تشعر بانكسار في قلبك، وليس يأسًا، بل تواضعًا واحتياجًا لله وقوته وكرمه ورحمته بك ليحنّ عليك ويعينك في وضعك.
- تكره الذنب الذي فعلت، وهنا المعنى أنك ستدرك ماذا فعلت، وتستيقظ من غفوتك، وحتى لو ضعفت باتجاه الذنب الذي كنت تحبه سوف يصبح بداخلك نفور منه.
- تحرص على الطاعات أكثر، علامة قبول التوبة أنك تصبح تحب أن تحرص على الطاعات أكثر، وتتقرب إلى الله بكل الوسائل، وتحاول دائمًا أن تعوض ما فاتك.
- تخاف أن لا تُقبل توبتك، بالرغم أنك تبت، يبقى عندك خوف جميل جدًا أن توبتك لم تُقبل، وهذا لأن الله يحبك ويريدك أن تستمر بفعل الخيرات. ولكن يجب أن لا تقنط من رحمة الله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87) وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي» رواه الترمذي.
لهذا السبب عندما تتوب وتحقق الشروط كن على يقين بأن الله رحمن رحيم، يرحم ويتقبل التوبة، وواصل حياتك بشكل أفضل وبعيدًا عن الذنب، والله سيبدل سيئاتك حسنات حين يرحمك إن شاء الله، لأنه قال: ﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان: 70).
التوبة يا أخي/أختي ليست مرة واحدة في العمر، بل يمكن كل يوم. حتى لو حققت الشروط وتبت ألف مرة ثم عدت وكررتها، الله سيقبلك، لأنه وعدنا بذلك وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (النساء: 110)
وقال النبي ﷺ: «لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضلّه في أرض فلاة» رواه مسلم. والله لا يمل من مغفرتك لأنه يحب التوابين. وقال النبي ﷺ: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» رواه مسلم. ليس أخطر ذنب هو الذي ارتكبته… بل الذنب الذي أقنعك أن الله لن يغفر لك. لا تمل من الاستغفار ولا تيأس أبدًا، ربك يتقبل، ربك خلقك لهذا، وخلق الإنسان ضعيفًا. ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28).
ابدأ اليوم يا أخي/أختي، أنت لا تضمن أن تعيش أي دقيقة أخرى. فكم من أناس فقدوا حياتهم فجأة، وأصبحوا في دار الخلود. لا أحد يضمن أن يعيش لرمضان القادم لكي يتوب. لا تؤجل، ربما تندم. الأمر مهم جدًا وكبير جدًا، يجب أن نأخذه بكامل الجدية والحذر، فالأمر متعلق بالحياة الأبدية بعد الحياة الدنيا المؤقتة.
وتذكر دائمًا بأن رحمة الله أكبر من ذنوبنا جميعًا. قال النبي ﷺ: «إن لله مئة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم، فبها يتراحمون… وأخّر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» رواه مسلم. الله يفرح جدًا بتوبتك. ربك أرحم بك من نفسك. قال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها» رواه البخاري ومسلم. الله لا يمل من مغفرتنا وعودتنا، بل نحن الذين نظلم أنفسنا ونمل من المحاولة ونؤجل دائمًا، ومع ذلك الله يرحمنا ويعطينا الفرص والفرص والفرص أكثر وأكثر.
تخيل معي أنك ميت، ورأيت الجنة والنار ودار الحق، وطلبت من الله أن تعود للحياة لتسجد سجدة واحدة وتستغفر فيها. فكر بالموتى في هذه اللحظة كم يتمنون العيش من جديد ليتوبوا على الفور. سقوطك كان الطريق لتعرف ضعفك وتعلم أنك تحتاج الله، وربما الذنب الذي تكرهه في نفسك هو سبب قربك من الله، مهما كان كبيرًا. لهذا السبب العيب ليس أن نخطئ… العيب أن لا نعود.